إفتتاحيّة – اللُّغة ونظام العصر

كان لا بُدَّ للإنسان من أن يبتدع اللُّغة ليستطيع أن يحِبَّ الكائنات. وأعتقد أنَّ اللُّغة هي ظاهرة الحُبِّ الأولى، بوساطتها يتَواصل البشر فيما بينهم، وأوَّل تعبير عن الخلاف بين شخصين هو الصَّمت، أيْ الامتناع عن التَّخاطب.

فعل الحُبِّ عند الله، تجسُّدٌ في الكلمة والعقلِ المُنتجِ لُغتَه. وهذا العقل في اليونانيَّة هو »لوغوس« Logos أَمَّا التَّرجمة معنًى ولفظًا لهذه الكلمة: »لوغوس« هي: “لُغة”.

لماذا يرفض العقل أي كلام يُخالف المنطق، أو يُهين الأخلاق، أو يمسُّ الكرامة، أليس لأنَّ العقل الكلِّي هو مصدر الحقيقة المطلقة، أي سبب الحياة والجمال الَّذي من دونه يتحوَّل كلُّ شيء إلى جحيم !

اللُّغة غذاء يوميّ للفكر، ومن منَّا لا يستمتع به كما نستمتع بالخبز، والحلوى، وأنواع الطَّعام! من منَّا يستطيع أن يعيش دون كلام وتواصل ! ومن منَّا لا يتذوَّق الكلام الجميل الَّذي يبدِّد أثر المتاعب، ويَعِدُ بالأفضل وينعش الأمل!

اللُّغة هي الحيّ الوحيد العابر التَّاريخ، هي الذَّاكرة المتجذِّرة والمرجع، ولا صيرورة بلا ذاكرة عبر الأجيال. فنحن نقرأ لمن طواهم الزَّمن ولفَّهم بأكفانه، بل نقرأهم، ونتَّصل بهم، نفهمُهم، نكتسب خُبراتهم، وحكمتهم، وتجاربهم، ونتَّخذ منها منطلقًا لنا، بل أرضًا صُلبة نبني عليها ونُعدُّ للمستقبل.

تصوَّروا معي بشرًا لا تجمعهم لغة مهما تعدَّدت اللُّغات. تصوَّروا مجموعة من النَّاس مَعًا لا يخاطب أفرادها بعضهم بعضًا. تصوَّروا نوعًا من البشر دون ألسنةٍ ودون آذان، دون كلامِ مشافهة أو كتابة، دون تراث.

وهل يمكن إدارك مدى العذاب النَّفسي الَّذي يعانيه من فقد القدرة على التَّواصل بالكلام، فقط ليقول للآخر ما يريد، وما يفكِّر فيه، وما يتمنَّاه، وبمَ يشعر، وماذا يؤلمه، وماذا يحزنه، وماذا يريحه، وماذا يفرحه…

كيف أستيطع أن أحبَّ دون أن أتكلَّم وأعبِّر عمَّا في قلبي. ثمَّ تلك الإرادة الَّتي في صميم الإنسان، وبها يحدِّد مصيره، أليست كامنة في الخطاب مهما اختصرته الكلمات ! يقول «كانت» الفيلسوف الألماني الشَّهير كلَّ شيء في هذا العالم يتوقَّف على كلمتين (نعم) أو (لا). ولعلَّ هاتين الكلمتين هما اختصار جميع الرَّغائب الَّتي لا تُترجم إلاَّ بالكلام. والأفعال هي أيضًا تجسيدٌ للكلام.

ولكن عندما يتعارض القول والفعل يحدث الانفصام، وبالتَّالي الفراق بين الكائن والوجود. هذه هي اللُّغة ببساطتها وعظمتها.
يقول »هيغل« الفيلسوف الألماني نستوعب العالم باللُّغة، وهذا يعني أنَّنا من دون اللُّغة لا نفهم ولا ندرك أنفسنا. وأعتقد أنَّ إدراك الذَّات باللُّغة، هو من دلالات وجود الرُّوح في الكائن البشريِّ، دون سائر الكائنات.

اللُّغة هي الرَّابط الوجداني بين الأنا والآخر، وبقدر ما ترقى إلى مستوى الأدب بقدر ما يكون الرَّابط أكثر حُبًّا، على امتداد الزَّمن. أيًّا يكن هذا الآخر وأيًّا تكن البيئة الَّتي عاش فيها، والحِقْبة الَّتي ارتسمت فيها حياته.

هي الأصل المتجذِّر حتَّى في صلب الجينات، وإلاَّ لما كان احتمال للكلام. هي مُنتِجَة المنطق وهو مُنتِجُها، مهما تعدَّدت اللُّغات وتعدَّدت تراكيبها وبناها »السانتاكسيَّة« ومن دونها لا شيء يُستمدُّ، ولا يسري نُسغٌ في عروق الحياة.

اللُّغة لسان الحُرِّيَّة ومِساحتها الَّتي لا تحدّ، ومن دونها القيد وخوفٌ مجهول. اللُّغة تُحَرِّر من الزَّمان والمكان، وخلافها العبوديَّة، وما نشهده اليوم من محاولات تحطيم العلائق بين الفرد ولغته، بين الشُّعوب ولغاتها، وبين الأجيال وتراثها اللُّغويِّ، لحساب التِّكنولوجيا والعِلم والماديَّة والنِّظام العالمي الجَديد المُزمع تحقيقُه على حساب الإنسانيَّة، هي خطَّة ممنهجة للقضاء على قيمة الإنسان في ذاته وفي حضوره، وفي أبعاده دنيويًّا، وماورائيًّا، وإيمانيًّا. إِنَّها خُطَّة تجريد الإنسان من ذاتيَّته، وإِرادته، وتاريخه، وحقِّه في التَّواصُل والتَّفاعل الوجوديّ.

وليست اللُّغة مقصورة على الكلام، فالرَّسم لغة الخُطوط والألوان، والنَّحت لغة الجماد الحيّ، والموسيقى لغة الرُّوح، والرَّقص لغة الجسد، فيما الأشكال على تنوِّعها اللَّامتناهي، ودلالاتها «الأنتروبولوجيَّة» الأسطوريَّة والماورائيَّة، هي أيضًا لغة، وكلّ ذلك لا بدَّ من التَّعبير عنه، وشرحِه، والتحدُّث عنه، وتحليل مقاصده بلغة المنطق، بالحرف والكلمة، بالأسماء والأفعال، والأدوات، وجميع ما يشكِّل جوهر اللُّغة في تلافيفها من مظاهر، وأساليب، وتراكيب، وإيحاءات، ومعانٍ.

صحيح أنَّ اللُّغة في تطوُّرٍ دائم ومستمرّ، وهذه الحتميَّة لا يستثنى منها غير ثوابت العقل، وطبيعة الكائنات. لكنَّ الصَّحيح أيضًا، هو أنَّ أُصول اللُّغة مغروسة في تربة التَّاريخ، تفرخ وتزهر باستمرار، في الحاضر المعيش والحضور الرَّاهن. حتَّى لكأَنَّ الشُّعوب عبر أزمنتها المتعاقبة هي حملة التَّاريخ، وناقلة جيناته، ومرضعة اللُّغة، فهل من حُبٍّ أرقى وأبقى من هذا الحبِّ!

هذه اللُّغة المتسربلة بالأنا؛ الأنا الذَّاتِيَّة والأنا الإنسانيَّة بشموليَّتها، كم تراكمت على مدى الدُّهور، بشفافيَّتها وغناها، وليس لها مكان تستقرُّ فيه. هذه اللُّغة، يريدون اليوم إفراغ العقل منها، لملئه بما يوفِّر للنِّظام العالمي الجديد، سهولة تحقيق غايات أصحابه، دون نقدٍ أو رقابة، وبخضوعٍ واستسلام.

د. عبده لبكي
————–
خلال إطلاق “جائزة الأكاديميّة العربيّة” النّسخة الأولى من وثيقة “بالمحبّة نبنيه…”
“القاعة الكبرى” في بلديّة سنّ الفيل
الثّلاثاء في 6 آب 2019