تَواصُل – 4 خُطوات للكلام مع غَريبٍ

* كيف تبدأ الحديث مع شخصٍ لا تعرفه، للمرّة الأولى، في 4 خطوات عمليّة؟

نسبة كبيرة من الّذين يخافون من الاختلاط بالنّاس، وحضور الحفلات الاجتماعيّة والنّوادي وغيرها من الاجتماعات الّتي يحضر فيها عددٌ كبيرٌ من الأشخاص، هم أولئك الّذين يَجهلون كيفيّة التّواصل المُثلى مع النّاس!

فتجدهم لا يُحاولون تعلّم هذه المهارات والتّدرّب عليها، بل يُفضّلون الانعزال والابتعاد عن المُجتمع وعن تجمّعات النّاس على رغم أهميّتها الطّارئة في بعض الأوقات!

أعلم أن للجميع جزءًا خجولاً، مُتردّدا، يجعل صاحبه يكره الانخراط في أحاديث مع النّاس في شكل مُبالغ به، وقد يكون الحقّ في صفّ هؤلاء وبجانبهم، لكن أنْ يصل الأمر إلى درجة تقرب من ضعف التّواصل الاجتماعيّ، وربما مرض التّوحّد! فهو في حدّ ذاته كارثة حقيقيّة!

لذلك إليكم هذا المقال المُوجز، الّذي سيعطيك أربع خطوات سريعة ستستطيع من خلالها تقوية علاقاتك الاجتماعيّة مع الناس من حولك، وبخاصّة عن طريق فتح المحادثات مع الغرباء الّذين قد تراهم للمرّة الأولى.

1 – اِبدأ فوراً بالتحيّة: إنّ الصّمت جميلٌ وبليغٌ، لكن عندما تقف أمام أحد وتبدأ بمصافحته وتكتفي بالصّمت من دون أن تنطق أيّ حرفٍ أو كلمةٍ، يتحوّل الصّمت تلقائيّا من كونه بلاغة، إلى بلاهة تدل على اختلالٍ في نظام التّواصل الاجتماعيّ!.

ومن الأخطاء التي تُرتكب أثناء التّواصل مع النّاس وبخاصّةا الغرباء منهم، خسارة اللّحظة الأولى من الموقف الّتي هي اللّحظة الأهمّ! والخسارة تلك، تُشكل ضربة في الصّميم لكلّ اللقاء والمحادثة وللجمهور المُشاهد حتّى!

لا تنتظر إلى أن تذهب إليه – أو إليها – وتقف أمامها ومن ثمّ تأخذ نفسًا عميقًا وتبلع لعابك، وتلملم شتات أنفاسك، ومن ثمّ تقول: مرحباً! صدّقني ستكون قد فوّت لحظة البداية وهي (لحظة الانفعال العفويّ) الرّئيسيّة للموقف بأكمله، ومن بعد تفويتها ستخسر اللّقاء بأكمله.

تقدّم مُباشرةً واجعل التّحيّة فوريّة، قويّة وحازمة، من دون تفكيرٍ، وتحضيرٍ مُسبق للشّكل والحركات والأنفاس! لا تترك مجالاً لهذه الأمور أن تشغل عقلك فتفعلها بحجّة التّحضير للكلام لكنك عمليّاً تختبأ خلفها لكي تُطيل موعد الكلام لأقصى فترة مُمكنة!

2 – تكلّم مع مجموعات عشوائيّة من النّاس: فمُعظمنا لا يخاف من النّاس الّذين يأكلون ويشربون ويمشون على أقدامهم بسبب كونهم أناسًا مثلنا، بقدر الخوف الّذي ينبع من كونهم مجهول بالنّسبة إلينا! نخافهم ليس لأنّهم بشر يشبهوننا، بل لأنّنا لا نعرفهم ونجهل من هم أصلاً!

تأكّد من ذلك خلال مُراقبتك مجموعة أصدقائك الخمس أو الستّ، ستجد أنّك أثناء تواجدهم لا تخجل أبداً وتفتح أحاديثك بكلّ سهولة وسلاسة! ولربما يكونون بالنّسبة إليك أقرب من أبيك وأمّك حتّى! لكن مهلاً لماذا لا تخجل منهم؟ لماذا لا تهرب من محادثاتهم؟

الجواب هو أنّهم غير مجهولين بالنّسبة إليك!

ومتى ينتهي الخوف من المجهول؟ الجواب في شكلٍ واضحٍ، عندما تتعرّف عليه.

لكي تتعرّف على المجهولين من النّاس عوّد نفسك على التكلّم مع مجموعات عشوائيّة منهم، أشخاص لا تعرفهم قل لهم صباح الخير وأنت في طريقك إلى العمل! أو مرحباً، أو أي كلمة بسيطة عفويّة تظهر على لسانك في ذلك الموقف.

انخرط في شكلٍ زائدٍ مع التجمّعات البشريّة التي تراها يوميّاً، وعوّد نفسك على محاولة محو علامة المجهول من عليها… الأمر صعبr في بدايته، لكن مع المُمارسة يُصبح كلّ شيء أسهل!

3 – مهّد لحديثك بكلماتٍ وجيزةٍ: شخصٌ مكروهٌ بالنّسبة إلى الجميع، هو ذلك الّذي يكثر في كلامه ويُطيل في حديثه، وبخاصّةٍ إذا لم تكن ثمّة علاقةٌ وطيدةٌ معه! فيكون في نفسك – أثناء كلامه – شخصًا يهمس لك باستمرارٍ قائلاً، من هذا الأخرق اللّعين الذي يتكلّم معي وكأنّه صديقي من أيّام الطّفولة!

لتجنب ذلك، عوّد نفسك على الكلام الوجيز مع النّاس، وبخاصّة في بداية تعرّفك إليهم، لا داعي أن يكون اللقاء لك مع أحدهم هو الأخير بالنّسبة إليه! بسبب إسهابك الشّديد في الكلام عن تلك الفتاة التي أحببتها والّتي ستموت لو لم تصل إليها، أو أي أمر يخصّ دائرتك الضيّقة لكنك كلّمت به مَن تعرفت إليه قبل ثوانٍ!

ربّما تعتقد أنّ فعل ذلك قد يجعله يثق بك كونك كلمته عن أمورك الخاصّة من اللّقاء الأوّل به، لكن تأكّد أنّ الّذين يبالغون في كلامهم ومديحهم وإطراءهم الزّائد لمن يقابلونهم وبخاصّة في اللّقاء الأوّل، يُثيرون الخوف والقلق لدى الطّرف الآخر وتبدأ الشّكوك بالتحرّك تجاهك! كُن عفوياً في كلامك، ولا تُكثر الكلام عن أمورٍ غبيّةٍ لا يُبالي بها أحدٌ!

4 – اسألهم عن أنفسهم: من الأمور الّتي تُثير الألفة بين الطّرفين والّتي قد تجعلهم يقعون في علاقة حبّ معك وشعور بالسّعادة كلّما كانوا في حديثٍ أنت أحد اطرافه، سؤالك عن أحوالهم وأخبارهم.

فالنّاس يكرهون “النّرجسيّ”، الّذي لا يكتفي بالحديث عن نفسه وإنجازاته وأمراضه وبطولاته ومُغامراته… وقد يتفاقم الأمر أكثر لكي يتصل بك السّاعة الثانية بعد منتصف اللّيل ليقول لك، كم أنت محظوظٌ يا صديقي كونك تملك صديقاً رائعاً هو أنا!

لا تتحدّث مع أحدٍ وتُسهب في الكلام عن نفسك! اسأل عن أحوال من تُحادثه وأخباره، واطمئنّ عليه، استفسر عن حال يده المكسورة، ووضع ابيه الذي دخل المستشفى، وعن أمور جامعته وكيف هي دراسته! تعاطف مع عواطفه، افرح لأفراحه واحترم احزانه!…

ليس مع الغريب فقط، بل القريب حتّى. اسألهم عن أنفسهم وُكن قريبًا منهم.

الآن يُمكننا أن نلخّص مشهد الحديث للمرّة الأولى مع غريبٍ بالشّكل التّالي البسيط، مُجرّد أن تراه وتقف أمامه اقذفه مُباشرةً بالتحيّة في شكلٍ عفويّ ومن دون أيّ تردّد وتخطيط! لا تنتظر لكي تضبط وضعك لأفضل حال، لأنّك صدقني ستخسر لحظة البداية، لحظة الانفعال الأهم! ومن بعدها لا بأس من بضع كلمات وجيزة لا تُثير بها القلق ولا تحرّك في نفسه الريبة!

اسأله عن نفسه، عن أحوال وأخباره، وتكلم عن نفسك في شكل وجيز مُختصر، لكن رجاءً لا تبك وتنح وتلطم أمامه! العمليّة بأكملها تحتاج إلى تدريبٍ ومُمارسةٍ ولعلّ انخراطك في شكلٍ يوميّ مُستمرّ مع تجمّعات من النّاس هو السّبيل الأمثل والأسرع لتحقيق هذا الأمر في شكلٍ فعّال.

_____________________
* تُطلق “جائزة الأكاديميّة العربيّة” برعاية معالي وزير الثّقافة د. محمّد داود داود، النّسخة الأولى من وثيقة “بالمحبّة نبنيه…” في “القاعة الكبرى” – مبنى بلديّة سنّ الفيل، الثّلاثاء 6 آب 2019، الخامسة بعد الظّهر.